مجمع البحوث الاسلامية

522

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

على إبراهيم كان في تزايد وتضاعف فابتدأوا أوّلا بالأمر بقتله ، ثمّ اشتدّ غضبهم عليه - ولم يسكن بمجرّد الأمر بقتله - فتجاوزوا إلى الأمر بتحريقه بما فيه - كما سبق - من المبالغة والتّشديد . لكنّ القرآن استدرك حذف ( اقتلوه ) في ( 3 ) بإضافة وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إليه ، وهو نوع انتقام وتسكين للأحاسيس . 6 - هناك تفاوت بين هذه الآيات الثّلاث اللّاتي احتوت صيغة « التّحريق » - مع اشتراكها في إفادة المبالغة والتّشديد ، وفي أنّ سياقها الغضب والمجازاة - وهو أنّ التّحريق في ( 1 ) صادر عن النّبيّ موسى عليه السّلام وواقع على العجل المصنوع إلها بيد السّامريّ ، فكان فعل موسى عملا صالحا في سبيل التّوحيد وحطما لرذيلة الشّرك ، وقلعا لجرثومة الشّرّ ، ودفاعا عن الحقّ والخير . وهو في ( 2 و 3 ) ضدّها تماما ، فكان عملا غير صالح وشرّا ، وكان التّحريق صادرا عن عبدة الأوثان دفاعا عنها ، وواقعا على إبراهيم عدوّ الأصنام والدّاعي إلى رفضها ، وإن لم يؤثّر فيه التّحريق . فيبدو أنّ عمل موسى كان انتقاما من عبدة الأوثان فيما أجروه من التّحريق على أبيه إبراهيم . فعزم على تحريق العجل كما عزموا على تحريق إبراهيم ، وكلاهما مرتبط بالتّوحيد سلبا وإيجابا . وتفاوت آخر فيها : أنّ التّحريق قد وقع على إبراهيم لكنّه تبدّل بضدّه ، كما قال : فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ ، و قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ * وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ . أمّا تحريق موسى للعجل فليس خبر عن وقوعه في القرآن ، وإنّما روي عن ابن عبّاس ، ولا بدّ أن يفي موسى بما هدّدهم به مقسما عليه بقوله : لَنُحَرِّقَنَّهُ ، ليقطع مادّة عبادة العجل ، ويمحو آثارها من عقول بني إسرائيل ، وقد فعل . ثانيا : جاء في ( 4 ) نارٌ فَاحْتَرَقَتْ في مثل يجري مجرى القصّة ، والآية كاملة : أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ . وقد جاء هذا المثل إثر مثلين آخرين : أحدهما في الّذي ينفق ماله رئاء النّاس ، والثّاني في الّذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات اللّه . وقبلها مثل آخر في الّذين ينفقون أموالهم في سبيل اللّه ، فلاحظ الآيات ، البقرة : 261 - 266 ، وقابل بين هذه الأمثال ، وهي خارجة عن بحثنا ، فالتّركيز هنا على جملة : فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ وفيها بحوث : 1 - بيان الضّمائر والألفاظ فيها : أنّ فَأَصابَها أي أصحاب الجنّة إعصار ، أي ريح عاصف تستدير في الأرض ، ثمّ تنعكس إلى السّماء حاملة الغبار فتكون كهيئة العمود ، ( فيه نار ) ، أي في الإعصار نار ( فاحترقت ) أي الجنّة احترقت بتلك النّار . 2 - الاحتراق : افتعال للإحراق ، أي أحرقته النّار فاحترق . قال الطّوسيّ : « احتراق : افتراق الأجزاء بالنّار » . 3 - و « الفاء » فيه للتّفريع والسّببيّة ، كما أنّ « الفاء »